سيد قطب

1267

في ظلال القرآن

وإنزالها به ، بسبب معصيته وتبجحه ؛ بأن يغوي ذلك المخلوق الذي كرمه اللّه ، والذي بسببه كانت مأساة إبليس ولعنه وطرده ! ويجسم هذا الإغواء بقوله الذي حكاه القرآن عنه : « . . . لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ . ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ ، وَعَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ » . . إنه سيقعد لآدم وذريته على صراط اللّه المستقيم ، يصد عنه كل من يهم منهم باجتيازه - والطريق إلى اللّه لا يمكن أن يكون حسا ، فاللّه سبحانه جل عن التحيز ، فهو إذن طريق الإيمان والطاعات المؤدي إلى رضى اللّه - وإنه سيأتي البشر من كل جهة : « مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ » . . للحيلولة بينهم وبين الإيمان والطاعة . . وهو مشهد حي شاخص متحرك لإطباق إبليس على البشر في محاولته الدائبة لإغوائهم ، فلا يعرفون اللّه ولا يشكرونه ، اللهم إلا القليل الذي يفلت ويستجيب : « وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ » . . ويجيء ذكر الشكر ، تنسيقا مع ما سبق في مطلع السورة : « قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ » . . لبيان السبب في قلة الشكر ؛ وكشف الدافع الحقيقي الخفي ، من حيلولة إبليس دونه ، وقعوده على الطريق إليه ! ليستيقظ البشر للعدو الكامن الذي يدفعهم عن الهدى ؛ وليأخذوا حذرهم حين يعرفون من أين هذه الآفة التي لا تجعل أكثرهم شاكرين ! لقد أجيب إبليس إلى ملتمسه . لأن مشيئة اللّه - سبحانه - اقتضت أن يترك الكائن البشري يشق طريقه ؛ بما ركب في فطرته من استعداد للخير والشر ؛ وبما وهبه من عقل مرجح ؛ وبما أمده من التذكير والتحذير على أيدي الرسل ؛ ومن الضبط والتقويم بهذا الدين . كما اقتضت أن يتلقى الهداية والغواية ؛ وأن يصطرع في كيانه الخير والشر ؛ وأن ينتهي إلى إحدى النهايتين ، فتحق عليه سنة اللّه وتتحقق مشيئته بالابتلاء . سواء اهتدى أو ضل ، فعلى سنة اللّه الجارية وفق مشيئته الطليقة ، تحقق الهدى أو الضلال . ولكن السياق هنا لا يصرح بترخيص اللّه - سبحانه - لإبليس - عليه اللعنة - في إيعاده هذا الأخير ، كما صرح بإجابته في إنظاره . إنما يسكت عنه ، ويعلن طرد إبليس طردا لا معقب عليه . طرده مذموما مقهورا ، وإبعاده بملء جهنم منه وممن يتبعه من البشر ويضل معه : « قالَ : اخْرُجْ مِنْها مَذْؤُماً مَدْحُوراً . لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ » . . ومن يتبعه من البشر قد يتبعه في معرفته باللّه واعتقاده بألوهيته ، ثم في رفض حاكمية اللّه وقضائه ، وادعاء أن له الحق في إعادة النظر في أوامر اللّه ، وفي تحكيم منطقه هو في تنفيذها أو عدم تنفيذها . . كما أنه قد يتبعه ليضله عن الاهتداء إلى اللّه أصلا . . وهذا وذلك كلاهما اتباع للشيطان ؛ جزاؤه جهنم مع الشيطان ! لقد جعل اللّه - سبحانه - لإبليس وقبيله فرصة الإغواء . وجعل لآدم وذريته فرصة الاختيار تحقيقا للابتلاء ، الذي قضت مشيئته أن تأخذ به هذا الكائن ؛ وتجعله به خلقا متفردا في خصائصه ، لا هو ملك ولا هو شيطان . لأن له دورا آخر في هذا الكون ، ليس هو دور الملك ولا هو دور الشيطان . وينتهي هذا المشهد ، ليتلوه مشهد آخر في السياق : ينظر اللّه - سبحانه - بعد طرد إبليس من الجنة هذه الطردة - إلى آدم وزوجه . . وهنا فقط نعرف أن له زوجا من جنسه ، لا ندري كيف جاءت . فالنص الذي معنا وأمثاله في القرآن الكريم لا تتحدث عن هذا